ميرزا محمد حسن الآشتياني

12

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

وهذا معنى ما يقال إن إعطاء كل شيء بحسبه وقد التزم بإرادة الجامع عند توجيه استدلال السيد أبو المكارم على البراءة وعدم وجوب الاحتياط في الشبهة التحريمية في قبال الأخباريّين بأن التكليف بالاجتناب تكليف بما لا يطاق كما ستقف عليه وفي غير هذا المقام لكنّ الظاهر من لآية الشريفة بقرينة التكليف إرادة فعل المكلف من الموصول من دون تصرّف في النسبة بإرادة الإطاعة فلا تعلّق لها بالمقام أصلا مع أنه على تقدير عدم ظهورها في المعنى الأخير يسقط الاستدلال بالآية الشريفة هذا كله مع أنّ مساقها مساق قوله تعالى لا يكلّف اللّه نفسا إلّا وسعها كما جمع بينهما في رواية عبد الأعلى فظاهرهما أمّا نفي التكليف بغير المقدور أو التكليف بغير الميسور فلا تعلق لهما بالمقام ومنه يظهر عدم جواز الاستدلال للمقام بقوله تعالى في أواخر سورة البقرة لا يكلف اللّه نفسا إلّا وسعها ( قوله ) قدس سره بناء على أن بعث الرسول كناية إلى آخره ( 1 ) ( أقول ) الآية الشريفة في سورة بني إسرائيل وقد تمسّك بها غير واحد للمقام وفاقا للفاضل التوني في شرح الوافية والمراد من بعث الرّسول بعثه ببيان التكاليف والأحكام وإلا فمجرّد إرسال الرّسل لا يصحّح العذاب قطعا ( ثمّ ) إن مجرى البراءة لما كان مختصّا بما لا بيان فيه أصلا وكان الحكم العقلي أيضا بيانا كالبيان النقلي توقف تقريب الدلالة على التصرّف في الآية الشريفة نعم لو قيل بعدم حجيّة حكم العقل وعدم التلازم بينه وبين حكم الشرع أو عدم حسن العقاب إلا بالتأكيد الذي يرجع إلى عدم حجيّة حكم العقل بنوع من الاعتبار كما في الكتاب لم يحتج إلى التصرّف فيها وجوه التصرّف على القول بحجيّة حكم العقل تعميم الرسول لما يشمل العقل لأنه رسول من الباطن كما عن بعض وإن كان في كمال البعد وجعله كناية عن البيان لأنه يكون به غالبا كما في الكتاب وتخصيص الآية بغير المستقلّات العقلية كما في القوانين والكتاب من حيث قيام البرهان الذي قضى بحجيّة حكم العقل عليه وإن كان ما أفاده في الكتاب مع كون الأخير من باب التخصّص أحسن من الكل كما هو ظاهر فيتم الاستدلال بالآية على كلا القولين في مسألة التلازم هذا وأورد على الاستدلال بها شيخنا قدس سره في الكتاب بأن ظاهرها الإخبار بوقوع التعذيب سابقا بعد البعث فيختصّ بالعذاب الدنيوي الواقع في الأمم السابقة ويمكن المناقشة فيه بأنّ كون الآية إخبارا عما أفاده لا ينافي دلالتها على المدّعى بعد كونه مبنيّا على مقتضى العدل والحكمة الإلهيّة الذي لا يعقل الفرق فيه بين الأمم السّابقة واللاحقة والعذاب الدنيوي والأخروي الذي هو أشدّ من الدنيوي بمراتب شتى الذي يدل على سوق الآية لهذا المعنى المبتنى على الحكمة مضافا إلى شهادة كثير من الآيات المتحد معها من حيث المساق كقوله تعالى في سورة القصص وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمّها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنّا مهلك القرى إلّا وأهلها ظالمون ومثله فإنّ ظاهره كما هو ظاهر أن الحكمة الإلهية اقتضت أن لا يكون الهلاك إلا بعد البعث وإتمام الحجّة وأن كلّما وقع الهلاك في أنّه من الأمم كان بعد إتمام الحجّة وإن كان الهلاك الواقع فيهم من العذاب الدنيوي كما يشهد له كلمات المفسرين قال في مجمع البيان ما هذا لفظه معناه وما كنا معذّبين قوما بعذاب الاستئصال إلّا بعد الإعذار إليهم والإنذار لهم بأبلغ الوجوه وهو إرسال الرسول إليهم مظاهرة في العدل وإن كان تجويز مؤاخذتهم على ما يتعلّق بالعقل مستحيلا فعلى هذا التأويل يكون الآية عامة في العقليّات والشرعيّات وقال الأكثرون من المفسرين وهو الأصحّ إن المراد بالآية أنه سبحانه لا يعذّب في الدنيا ولا في الآخرة إلا بعد البعثة فيكون الآية خاصة فيما يتعلق بالسّمع من الشّرعيّات انتهى كلامه رفع مقامه وقال في محكي الكشاف في تفسيرها وما يصح لنا صحة يدعو إليها الحكمة أن نعذب قوما إلا بعد أن نبعث إليهم رسولا فيلزمهم الحجّة انتهى كلامه ( فالإنصاف ) ظهور الآية في المدعى فيقال في تقريب دلالتها بناء على ما ذكرنا في معناها أنه كما يستدل بما دلّ على ثبوت العذاب على الفعل أو الترك بالتحريم أو الوجوب حيث إنه من لوازمهما وآثارهما كذلك يستدلّ على نفي التحريم قبل البيان بنفي العذاب قبله بناء على كون المراد وصول البيان إليهم من الرسول لا مجرّد بيانه وإن لم يصل إليهم فيدلّ على المدعى [ ذكر كلام المحقّق القمي في ورود التناقض في التمسّك بالآية في المقامين ] ( قوله ) قدس سره ثم إنه ربما يورد التناقض إلى آخره ( 2 ) ( أقول ) الجامع هو الفاضل التوني في الوافية فإنه قد تمسّك بالآية الشريفة على البراءة في المقام وأورد على من تمسّك بها في مسألة الملازمة بين العقل والشرع نظرا إلى دلالتها بظاهرها على إناطة العذاب ببيان الرسول ويلزمها عدم حجيّة حكم العقل والملازمة ظاهرة بأن مفاد الآية الشريفة نفي فعليّة العذاب قبل بعث الرسول فلا ينافي ثبوت الاستحقاق بالنظر إلى حكم العقل في بعض الموارد قبله والملازمة بيّنة على الاستحقاق لا على الفعلية والمورد للتناقض بينهما المحقق القمّي قدس سره في القوانين وحاصل التناقض أن الأخبار بنفي التعذيب قبل بعث الرّسول إن دل على عدم التكليف شرعا ولو في مورد ثبوت حكم العقل فلا وجه للثاني أي الإيراد فيصحّ التمسّك بالآية على نفي الملازمة وإن لم يدل عليه كما هو مبنى الإيراد فلا وجه للأوّل إلى التمسّك بالآية في المقام وإن توجّه الإيراد المانع عن الاستدلال بها في مسألة الملازمة فالجمع بين التمسّك بالآية في المقام والإيراد على التمسّك بها على نفي الملازمة لا يصحّ على كل تقدير هذا وأجاب عنه بعض أفاضل مقاربي عصرنا في الفصول بأن الجامع بين المقامين كأنه أراد نفي الوجوب والتحريم بالمعنى الذي أثبته الخصم فإنه لا يلتزم بكونه ذنبا موعودا عليه العفو و